انتفاضة نصر..

غدا الكون كما بيتٍ يضج بالفراغ..، كسماء لا نجوم فيها و لا كواكب..، أو كما علبة سوداء حكمت على ضوء الشموع بالاختناق..!! شمسه غدت قرصاً من نحاس باهت يلبس البرقع..لا يظهر من هيكله شيء..! ابتسامته الدافئة حجبت واختفت..جدائله بردت وتثلجت.. دفئ اغتصبه بياض الثلج عنوة ، زخات وجع يضاهي جمراته المقبورة..، وزند ثائر يغتال كل الأحلام.. ويزج بها في دهاليز النسيان..!

لا شيء في هذه الربوع..لا أوراق خضراء تتراقص..، لا عصافير تخدش لوحة الموت الشاسع..،لا طير يشدو ولا وتر، لا شيء سوى لعنة الصقيع وقساوة الجليد ووحده الصمت هناك على ضفة الخراب يُعطل عقارب الألم و ينثر العطر بلون دم الشهداء ليفقد الزمن ثوانيه ويستقر في بقاع عميقة الغور..، رمادية الوقت..!

أرواح معلقة على حبال التيه تلملم شتاتها المكسورة على أرصفة أوطان ارتوت من دمائها لتُنبت بكل بيت وردة حمراء تتلوا تراتيل الشهادة..!

جفون أدمنت البكاء دون دموع.. تقاوم الموت الخفي للآتي المبهم..، قبائل تنوح على حجر..، منازل مفتوحة أبوابها على موانئ الجرح ..، أحلام موءودة قررت الاعتكاف في مغارة الصمت تنتظر بزوغ فجر يحكم حكمه بالإفراج..!

وجع..قهر..ألم..حجر ورصاص يكشف عن عيون تاهت في نواصي الزمان..تلمح الحلم متكأً على سنديانة الظلام..! تعاويذ أمهات لم يباركها القدر..تغتالها فوهة بندقية تثقب الحجر..، دماء تخضب كفوف عرائس يحتفلن بكونهن ثكالى..ويزغردن بأعلى أصواتهن لموت الابن أو الحبيب..، وأطفال هناك كمسامير كسرها الصدأ تتلاشى ملامحهم لتتبخر في سماء لا نجم فيها ولا قمر..أطفال استبد بهم عطش البراري..دموعهم غالية لكنها مرة بطعم العلقم ، يخشون الظلمة ويصارعون الموت..بدون وطن يحميهم ولا صدر يحتويهم.. سطور أياديهم ترنو إلـى حلم دخل وميض البرق ليُجْهَضَ في وَمضة أمام قلوب طافحة بنبات الشوكران..!

كثيرة هي البلدان التي طالتها يد الطغاة ، استباحتها..، مزقت غشاء طهرها..وزفت دماءها للتراب..! لتنقش بالدم أحلامها حروفا على أبجدية الرخام..، وعلى رأس هذه البلدان بغداد النائحة فوق أفنان النخيل، والحبيبة “زهرة المدائن” القدسَ فلسطين..! لينتشر وباء العنف وسفك الدماء في العديد من الأوطان العربية الأخرى خاصة منها التي شهدت ما سمّوه ب “الربيع العربي”..! لتبدأ الحكاية من رماد البوعزيزي البائع المتجول الذي تناثر وأحيى كل قبور تونس الميتة، فعصفت به الرياح نحو عش نسر قرطاج الطاغي..، إلا أن رحلته لم تتوقف عند هذا الحد، بل هبت نحو الشرق فعصفت برمال الصحراء وكسرت الخيمة على ملك ملوك أفريقيا فكتبت في كتابه الأخضر بدم أحمر كلمة “ارحل!” لينتهي الأمر بالملك في قنوات الصرف الصحي ميتا بين الجرذان..!

فواصلت رياح التغيير رحلتها وحطت الرحال بالأهرام وفي قصر فرعون وشدت الخناق عليه حتى حملوه كالمومياء..! فصالت وجالت وحركت كل الأبراج العالية في كل مكان إلى أن وقفت بغابة الأرز والصنوبر بالشام ، حيث حالت دون وصولها إلى وكر الأسد ، الذي كشر عن أنيابه وتعالى زئيره ، فصد كل شيء يقترب من ملجأه ، فشرد شعبه ..وقصف وقتل وأباد وطغى وتجبر ليظل أسد غابةٍ لا أسد سرك..!!

هكذا لوح الظلام بعصاه في بلدان عانقت الحروب وغدت فيها الحياة ملؤها سفك دماءٍ..وأصبح الزمن فيها زمنا مملحا بالأنين.. على حافة انتظارِ فجرٍ يُغلق أزرار الليل ليفسح المجال للشمس لتشرق من جديد..، انتظارٌ حثما لن يطول ولن يكون كما انتظار “غودو”..! فمهما طال الألم لا بد للصقيع من الزوال وكل داجية يوما لإشراق..! وحثما ستعود تلك الأرواح التي أنهكها الرصاص يوماً..! مع زخات الرذاذ وبشائر الربيع..وسينبعث طائر الفنيق من رماده المحترق لنعيد مجدنا ونحطم أصفاد العبودية..، ونرفع راية النصر عالياً.. ونصدح في الأعالي كما صدحت “فيروزُ” يوماً: “الغضب الساطع آتٍ وأنا كلي إيمان…الغضب الساطع آتٍ سنمر على الأحزان …الغضب الساطع آتٍ بجياد الرهبة آتٍ….و سيهزم وجه القوة..سيهزم وجه القوة.. سيهزم وجه القوة…!!”

مريم جوباي

                                                         

نبذة عن الكاتب

مريم جوباي من مواليد اقليم ورزازات ، حاصلة على الإجازة في الدراسات الإنجليزية : التواصل والبيداغوجيا سنة 2015، انسانة شغوفة بالقراءة واقتراف الكتابة ، مثقلة بالإنسان..، و مغرمة بالحياااة..! متفائلة بحجم ايمانها بما تكتب..! مؤمنة أن القلم الحر.. صوت من لا صوت له.. !