نزار.. شاعر المرأة ، الحب والثورة..

            وأنا أناقش ذات يوم قولة لنزار القباني مع أحد الأصدقاء ..، استوقفني هذا الأخير بقوله بالحرف : ” نزار، أكثر من أفسد شباب وشابات العرب..! لقد كان أكثر ميوعة وخلاعة في كل أشعاره..، بل وكان أكثر من أساء للنساء في التاريخ العربي..”.

لم تكن معرفتي بكتابات نزار معمقة وواسعة كفاية لخوض غمار النقاش والرد بالدليل والبرهان على هذا القول..! فكل ما قرأته لهذا الشاعر الكبير كان كما نقطة صغيرة في بحار أشعاره الواسعة..!

لن أُخفي أن قوله هذا استفزني كثيراًاا.. سيما وأني من المعجبين جدا بكتابات نزار ومن المنجذبين بسحر لغته ، إلا أن ما أثار غضبي أكثر هو عندما أردف قائلا ، وأنا أحاول الدفاع بكل ما أُُتِيت عن هذا المبدع الكبير كقارئة وكمعجبة بابداعه لا غير: ” سِيرِي تَّاتقْراي عليه واجِي نكملُو النقاش..”

كانت هذه العبارة كفيلة ليطير النوم من عيني مساء ذاك اليوم .. ويستعصى علي امتطاء رأسي للوسادة..! فوجدني نكاية ، مسافرة عبر كتابات القباني كمن يحاول فك شفرة لغز استعصى عليه..!

لا شك أن أي مار أو قارئ عادي لإبداع الشاعر السوري المعاصر نزار القباني، وهو الذي خرج عن لغة المألوف للقصيدة التقليدية وثار عليها شكلا ومضمونا ، قد يحكم عليه بالسطحية وانعدام العمق مقارنة بكتابات بعض أبناء جيله ، وقد يذهب آخرون أيضا إلى اتهامه بالخلاعة والميوعة نظرا لرؤيته المتفتحة التي تمَيز بها شعره ، وجرأته الزائدة التي عُرف بها خاصة فيما يتعلق بوصفه المرأة (الجسد) ، مما يحيلنا على التساؤل: هل المشكل يكمن في الشاعر أو الكاتب ؟! أم فينا نحن كقراء سطحين ننظر دوما للنصف الفارغ من الكأس .. ، نرى الأشياء من زاوية ضيقة ، نحكم انطلاقا من الظاهر.. ونتغاضى عن الباطن الخفي المتواري خلف السطور..؟؟!!

ربما كانت جرأة قلم القباني كما سبق لي أن ذكرت ، وراء وابل سهام النقد الذي تلقاه مساره الشعري الأدبي وما يزال ، مما جعل الكثير يقف عند أسئلة وقفت عندها أيضا ؛ هل كان نزار باستباحته جسد الأنثى واختراقه له بكل تفاصيله ومفاتنه بلغته المثيرة تلك ، وهو الذي نذر حياته للمرأة ، وكرس قلمه لتاء التأنيث ونون النسوة ، قد اقترف جريمة حبرٍ في حق ملهمته وموضوع أشعاره ؟!!

أم أنه وجد في تحرير المرأة بقلمه من قيود وسطوة مجتمع ذكوري طالما اعتبر صوت المرأة عورة .. مجتمع تحكمه أعراف بالية وتقاليد واهية ، ذريعةً لتمرير رسائله الفكرية التي تنبض رفضاً وتمردا على واقعه آنذاك ..؟!!

أو انه اختار جسد المرأة بتفاصيله وهي الطريق الأسهل لتأجيج مشاعر العامة والبسطاء .. ليُظَلِّلَ بذلك القارئ ويستفز فكره ثم يترك له بعد ذلك مساحة للتخيل ومسافة للترقب والتأويل ..؟!!

ربما قد تختلف الإيديولوجيات حول كتابات نزار، لكن لا أحد يستطيع أبدا أن ينكر أنه كان ظاهرة شعرية وما يزااال بشعره..، إذ استطاع بسطوة قلمه ، أن يعزف على أوتار العواطف ويدغدغ سمفوننية الإبداع ليكون بذالك قد ساهم بالكثير والكثير في إغناء الأدب العربي المعاصر..!

وأخيرا أود أن أوضح أن ما نثرته هنا في هذا النص ليس سوى محاولة بسيطة لتحليل الأمور من وجهة نظري ، و بالموازاة محاولة فهم الآخر من زاوية نظره ، وهو البعيد كل البعد عن أي تحليل نقدي ولا يشبهه البتة ، لإيماني الذي لا تشوبه ذرة شك ، أن لهذا المجال أهل وانأ لست مؤَهّلةً له ..!

وكفكرة أخيرة أود أن أشير إليها قبل أن أختم ، هي أن اللإبداع الحقيقي هو ذاك الذي يُزعزع كيان القارئ ويقذف بفكره بعيدا ..، هو الذي تسعى إليه لكنه يصر على الإنسلال منك ، تتبعه محاولاً استيعابه لكن دون جدوى .. فتجد نفسك أمامه حائرا مندهشاً..! وهنا يأتي دور القارئ الذي يستوجب عليه أن يرتقي بفكره و خياله لمستوى الكاتب لتتضح لديه الرؤيا..! ففي آخر المطاف ، الكتابة كما لوحة فنية تشكيلية ، من مكرها جعل المتلقي يظن عكس الذي تضمره..

بقلم : مريم جوباي 

نبذة عن الكاتب

مريم جوباي من مواليد اقليم ورزازات ، حاصلة على الإجازة في الدراسات الإنجليزية : التواصل والبيداغوجيا سنة 2015، انسانة شغوفة بالقراءة واقتراف الكتابة ، مثقلة بالإنسان..، و مغرمة بالحياااة..! متفائلة بحجم ايمانها بما تكتب..! مؤمنة أن القلم الحر.. صوت من لا صوت له.. !