الزربية الواوزكيطية لوحة صامتة تعاند الدهر

بدعم من وزارة الصناعة التقليدية و الاقتصاد الاجتماعي و التضامني، و بشراكة مع ثلة من المؤسسات؛ وزارة الثقافة، المجلس الجماعي لتزناخت، المجلس الإقليمي للسياحة و غرفة الصناعة التقليدية لجهة درعة تافيلالت نُظِّمَ مهرجان الزربية الواوزكيطية في دورته الرابعة ،والذي امتدت فعالياته على مدى أسبوع، من 28 مايو إلى 4 يونيو تحت شعار” الزربية الواوزكيطية رأس مال لا مادي”.

وقد أشرفت فاطمة مروان وزيرة الصناعة التقليدية و الاقتصاد الاجتماعي و التضامني على افتتاح المعرض مرفقة بعدة شخصيات محلية.

يعد المهرجان مبادرة لتشجيع الصناع و الحرفيين التقليديين، و كذا مساهمة جادة في إحياء التراث عامة ، و الزربية الواوزكيطية على وجه الخصوص لاعتبار النسيج أهم نشاط يمارس بالمنطقة.

عرف المهرجان مشاركة جمعيات و تعاونيات من مختلف مناطق تازناخت و ورززات، و تخللته أنشطة فنية، ثقافية وندوات تكوينية في مجال الزربية.

هناك بين تخوم الصحراء، مرتع الصناع و المبدعين ،غرب مدينة ورززات تتواجد مدينة تازناخت، حيث سحر الطبيعة، الغدران و الغيطان، نفحات و ظلال قمم جبال سيروا،و حيث الأرض تكتسي بساطا سندسيا بساطا أخضر و الشمس أكثر ضياء.

هناك حيث النساء لسن ككل النساء، نساء كسرن طوق العزلة، اجتمعن لإبراز مهارتهن من أجل تحقيق دخل قار لهن و لأسرهن، وضمان استقلالهن المادي. يراودهن حلم استثمار قدراتهن و ما تختزله أفكارهن لتثمين منتجاتهن المحلية و ما تزخر به منطقتهن. كل إبداعاتهن في مجال الزربية تعكس روحا شغوفة ، و تشهد ببراعة و مهارة يد الصانع و المبدع.

أسلوبهن الأصيل في انتقاء كل قطعة، كل لون، وكذا حرصهن الشديد على الحفاظ على الطابع التقليدي مع إضفاء لمسات عصرية تعكس الإبداع . يحاولن إضفاء الجديد على ما تبدع أناملهن، لا تنكرا أو تنازلا عن الخصوصيات و المقومات المتوارثة عن الأجداد، بل مجرد مواكبة لتطورات العصر و متطلبات السوق. لهذا تجدهن يتفنن في تجسد كل ما يمليه عليهن خيالهن الخصب و المستوحى من جمال و أصالة مسقط رأسهن. نساء أمازيغيات يشقن طريقهن نحو الاحتراف ببطء، يعتريهن شوق وطموح استقلالهن المادي، و يتشاطرن حلم المضي قدما بإبداعاتهن في مجال الزربية. يستيقظن مع انبلاج الفجر بقليل – تحكي شهرزاد من تعاونية “تكضيفت نيسكاف ” بأسكا – لا تستشعرن الراحة إلا و غروب الشمس، وقتهن موزع بين أشغال المنزل، متطلبات أسرهن، وأشغال الحقول، و ما إن يجدن وقتا يهرولن إلى مناسجهن بشوق يضاهي شوق المدن لاحتضان عائديها . يحكين و يتقاسمن أحلامهن العالقة ، يصنعن من يومهن المضني وشاحا و عناقيد أمنيات. يَتَمَرَّدْنَ ،   يَثُرْنَ و يُرَدِّدْنَ ألحانا بهمسات تشبه في رنتها وشوشات الفجر.

بعض الأسر – تضيف ايجا – تعتمد بشكل كامل على الزربية لتوفير مستلزمات دراسة أبنائها، بل لأجل الصيرورة و البقاء.

رغم ذاك الجهد البدني والنفسي و رغم قلة الدخل وأجور الزربية التي تقضي في نسجها شهورا بعد أن كثر ما يسمى بسماسرة الزربية الذين يستغلون حاجة و طيبة البؤساء، إلا أن الابتسامة لا تفارق محياهن . شغلهن الشاغل الآن هو لمن سيترك المشعل، ومن سيحمله، لأن الزربية تحتاج لأيدي أمينة تحافظ عليها من الاندثار الذي يتهددها اليوم .

تعتمد الزربية الواوزكيطية في خاماتها على مواد طبيعية من زعفران، حناء ، “تروبيا”، كلبتوس و أعشاب طبيعية أخرى بعيدا عن المواد و الأصباغ الكيماوية. كما أن لها مميزات تنفرد بها تجعلها تختلف عن زرابي مناطق و مدن أخرى؛ هي الزربية الممزوجة بألوان مختلفة، و المتميزة بمهارة و إتقان في الصنع، كونها تمر بمراحل من غسل و غزل و نسج قبل أن تصبح لوحة فنية تعرض وتباع مقابل دراهم معدودة لا تغني و لا تسمن من جوع ، لا تكفي حتى لشراء مستلزمات و خامات زربية الغد.

المتأمل في التحف المتراصة في كل زاوية من أروقة المعرض فيما يشبه السحر، يرى قدرات و مهارات صانعها. أشكال هندسية و مواد جمعت فيما بينهما بتنسيق لتمنح بتعدد بألوانها منظرا أخاذا يسلب الألباب. أول ما ينتبه إليه الزائر حين يذوب وسط الزرابي هي تلك البهجة التي يشعر بها في دواخله، كل زربية بمثابة قصيدة شعرية ، وكل لون فيها بمثابة نوتة موسيقية ، و بين هذا و ذاك يقف الزائر المتأمل مذهولا.

من الجدير بالذكر أن هذا العمل الدؤوب و المُتْقَنِ ليس مجرد إنجاز يدوي تنجزه نساء قرويات، بل هو فن و إبداع تحققه ملكتي العقل و اليد و قدرتهما على استعمال المادة و تحويلها إلى شيء زاهي ينبض بالحياة.

كل هذا وذاك يجعل الزربية الواوزكيطية تتربع على عرش المنتجات التقليدية ، وموروثا ثقافيا مقدسا لدى قبائل “زكيط”. لتبقى في ظل غياب نظرة واضحة عن آفاقها مستقبلا، و غياب ردود أفعال ملموسة لحل مشاكل التسويق التي تعتبر أكبر عائق يشوش على تطوير نسج الزرابي وجعلها في خدمة تنمية المجتمع وساكنة تازناخت، مجرد لوحات صامتة تعكس و تعبر عن أشياء صارخة و تسلط الضوء على زوايا الواقع و عن تفاصيل أسدل عليها الستار .

نبذة عن الكاتب

كريمة ايد عبد الله، من مواليد 1993، بمدينة ورززات. حاصلة على الإجازة المهنية في الدراسات الإنجليزية التواصل و البيداغوجيا، بالكلية المتعددة التخصصات ابن زهر بورززات. مهتمة بالكتابة الإبداعية، و العمل التطوعي و الجمعوي والذي أعتبره رافدا رئيسيا للتغيير، و مجالا خصبا تنتعش فيه روح تحمل المسؤولية،و يتم فيه الدفع بالشباب نحو تحرير طاقاتهــم و إمكانياتهم الإبداعية.