إلى أَبٍ لَنْ يَقْرَأَ كَلَمَاتِي.. !!..

إلى ذَاكَ الأبِ المغترب الذي كان يوما أبي..

أبٍ هجر الدِّيِااار .. أَهْدَى لقريته دمعة خجولة في وضح النهار يذرفها.. و هي تبتعد عن ناظريه..

ونظرات صغاره تُجْهِضُ رو حه و تبعثر نبضه .. أب خَلَّفَ ورائه ابْنَةً ملتاعة .. أُمًّا حُبْلَى.. و كثيرا من المشاعر الثَّكْلَى ..

إلى ذاك الأَبِ الذي تحمل يوما عيشة الغرباء.. طعام الغرباء.. وَ بَرْدَ الغُرَباَءِ.. لا لشيء سوى لِيُخْرِجَ أسرته من سرداب الفقر.. ويحقق طموحاتها..

إلى ذاكَ الفلاح المسِنِّ الذي يخطو بضع خطوات و العرق يتصبب من جبينه..

ذاك الذي يُحَوِّل الأرض القَفْرَ إلى بستان..

ذاك الذي يمشي تحت شمس آب اللاذعة.. وسط سرداب الشقاء و التَّعَنِّي..

يستجدي السماء .. ينتظر مطرا .. ويُهَدْهِدُ روحه بالصبر ..

ذاك الذي يستنزف دماء قلبه بحثا عن عشق الأرض.. بل عن لقمة عيش ..

ليرجع في آخر النهار حاملا برقوقا و مشمشا لم ينضُجْ بَعْدُ.. و كثيرا منَ التَّعَبِ ..!!

 

إلى ذاك الذي يُغادر على مَغَصٍّ فراشه البارد.. و الفجر لا زال يَتَثَاءَبُ.. مستسلمًا لزمهرير البرد..

إلى ذاك البائع المتجول الذي صَارَتْ كل الأرصفة و الأزقة تعرفه و يعرفها..

يَجُوبُ الشوارع نهارا ..

يجلس على الرصيف ينتظر . .

يقشر برتقالا حَتَّى يَكْتَفِي ..

فيعود عودةً مَكْسُورَةً مُحَمَّلاً بِالاَّءَاتِ جميعهَا..

 

إلى ذاك الأَبِ في ذاك الأطلس المَنْسِيِّ و الجنوب المُهْمَلِ ..

إلى الرّعَاةِ وَ الرُّحَّلِ الذين يقودون قطعانهم في حر شمس تَمُوزَ تاَرَة ً.. و في فجر شتوي قارص لا يُشْبِهُ بَرْدُهُ بَرْدَ مُدُنِنَا تارة أخرى..

إلى الذين ولدوا يوما في الأكواخ و الخيام ..

العمال.. البناءون.. الحائكون .. و النساجون هناك في ذاك الأطلس المنسي حيث القليل من الخبز و الكَثِيرُ الكَثِيرُ مِنَ البِرْدِ..

 

إلى ” الزَّبَّالِ” عَفْوًا.. !! إلى عامل النظافة..

ذاك الأَبُ بحجم الوطن ..

الذي ينحني لكل ورقة.. لكل قارورة .. سُحْقًاا.. !!

إلى ذاك الذي تَنْتَحِرُ أحلامه مع كل غروب و شروق..

إلى ذاك الذي يسهر و يستيقظ وَسُكَّانُ الحَيِّ رَاقِدُون.. لا لشيء سوى لِيَسْتَرِدَّ حَقَّ أبنائه في الحلم..

 

إلى ذاك الأبِ المترمل.. الذي لطمته الأيام .. فأصبح أَبًا وَ أُمًّا ..

إلى ذاك الأب المُخْلِصِ الذي لا طالما خَشِي أن يمر صوت امرأة عابر بذاكرته يَخُونُ أُمِّي مَعَهَا للحظَةٍ ..

 

إلى ذاك الشَّيْخ ِ فِي الرُّكْنِ .. المُتَّكِئِ على بَابٍ صَدِئٍ من فرط الانتظار..

ذاك المَلِيءُ قَلْبُه بِوجَعٍ عَتِيقٍ على ابنه المُغْتَرِبِ ..

إلى ذاك الأَبِ الذي شاخت أمَانِيهِ و انْحَنَتْ.. و لازال ينتظر بريدا ..

ينتظر قدوم العِيدِ عَلَّهُ يَأْتِيهِ به .. ليسترجع البيت لونه المضمخ بالفرح ..

 

 

 

إلى ذاك المَخْذُولِ في وطنه..

ذاك الأَب المسجون وراء ظلمة القضبان دِفَاعًا عن قضية وَطَنٍ ..

و المحروم من نسمة الحرية ظلما ..

 

إلى أبي أَنَا ..

ذاك الرجل المَمْشُوقِ القَامِة..

ذاك الذي يموت أَلْفا لأحيا مَّرةً..

ذاك الذي علمني مبادئ الإنسانية ..

كيف أُطَهَّر نفسي من ذكورية مجتمعنا ..

و كيف أقول كلمتي و أقف بجانبها ..

إلى الذي قال لي يوما أن الثورات لا شيء سوى كلمات قالها أفراد فغدت شرارة..

إلى أبي أنا..

الذي دثرني و إخوتي يوما .. حين كان المطر يتسلل من سقف غرفتنا المهترئ ..

إلى أبي أنا الذي سيظل سندا سرمديا و لو لاح ألف رجل في الأفق..

إلى كل هؤلاء..

عِيدُكُمْ سعيد أَيُّهَا المُتْعَبُونَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ كَأَبِي …

عيد سعيد للطفل البريء بداخلكم..

وعيد سعيد لأب لن يقرأ كلماتي ..

 

أدام الله كل أب تاجا فوق رأس أبنائه…

نبذة عن الكاتب

كريمة ايد عبد الله، من مواليد 1993، بمدينة ورززات. حاصلة على الإجازة المهنية في الدراسات الإنجليزية التواصل و البيداغوجيا، بالكلية المتعددة التخصصات ابن زهر بورززات. مهتمة بالكتابة الإبداعية، و العمل التطوعي و الجمعوي والذي أعتبره رافدا رئيسيا للتغيير، و مجالا خصبا تنتعش فيه روح تحمل المسؤولية،و يتم فيه الدفع بالشباب نحو تحرير طاقاتهــم و إمكانياتهم الإبداعية.